سراج الدين بن الوردي
60
خريدة العجائب وفريدة الغرائب
برفع البلاد التي على ساحل البحر الشامي ونقلها من الحضيض إلى الأعلى ، ثم أمر أن تحفر الأرض بين طنجة وبلاد الأندلس فحفرت حتى ظهرت الجبال السفلية وبنى عليها رصيفا بالحجر والجير بناء محكما وجعل طوله اثني عشر ميلا ، وهي المسافة التي كانت بين البحرين ، وبنى رصيفا آخر يقابله من ناحية طنجة وجعل بين الرصيفين ستة أميال . فلما أكمل الرصيفين حفر لها من جهة البحر الأعظم وأطلق فم الماء بين الرصيفين ودخل في البحر الشامي . ثم فاض ماؤه فأغرق مدنا كثيرة وأهلك أمما عظيمة كانت على الشاطئين ، وطغى الماء على الرصيفين إحدى عشرة قامة . فأما الرصيف الذي يلي بلاد الأندلس فإنه يظهر في بعض الأوقات إذا نقص الماء ظهورا بينا مستقيما على خط واحد ، وأهل الجزيرتين يسمونه القنطرة ، وأما الرصيف الذي من جهة طنجة فإن الماء حمله في صدره واحتفر ما خلفه من الأرض اثني عشر ميلا ، وعلى طرفه من جهة الشرق الجزيرة الخضراء ، وعلى طرفه من جهة الغرب جزيرة طريف . وتقابل الجزيرة الخضراء في بر العدوة سبتة ، وبين سبتة والجزيرة الخضراء عرض البحر . والأندلس به جزائر عظيمة كالخضراء ، وجزيرة قادس « 92 » ، وجزيرة طريف ، وكلها عامرة مسكونة آهلة .
--> ( 92 ) قادس : جزيرة بالأندلس عند طالقة من مدن إشبيلية ، وطول جزيرة قادس من القبلة إلى الجوف اثنا عشر ميلا ، وعرضها في أوسع المواضع ميل ، وبها مزارع كثيرة الريع ، وأكثر مواشيها المعز ، فإذا رعت معزهم خروب ذلك المكان عند عقدها ، واسكر لبنها ، وليس يكون ذلك في ألبان الضان . وقال صاحب الفلاحة النبطية : بجزيرة قادس نبات رتم إذا رعته المعز أسكر لبنها إسكارا عظيما ؛ وأهلها يحققون هذه الخاصية . وفي طرف الجزيرة الثاني حصن خرب أولى ، بين الآثار ، وبه الكنيسة المعروفة بشنت بيطر ( سان بيتر ) ، وشجر المثنان كثير بهذه الجزيرة ، وبها آثار للأول كثيرة . ومن أعجب الآثار بها الصنم المنسوب إلى هذه الجزيرة ، بناه أركليش ، وهو هرقليس ، أصله من الروم الإغريقيين ، وكان من قواد الروم وكبرائهم .